رأت مجلة "ذا إيكونوميست" البريطانية أن الخلاف المتصاعد بين أبوظبي والرياض لم يعد مجرد تباين عابر بين حليفين تقليديين، بل بات صراعاً مفتوحاً يحمل تداعيات بعيدة المدى على أمن الخليج واستقرار الإقليم ومصالح الأعمال الدولية.
ففي ديسمبر الماضي، أصدرت وزارة الخارجية السعودية بياناً وُصفت فيه الإمارات بـ"الشقيقة" أربع مرات، في لغة دبلوماسية مألوفة خليجياً. غير أن البيان جاء عقب قصف المملكة شحنة أسلحة إماراتية في اليمن واتهام أبوظبي بتهديد أمنها القومي.
ومنذ ذلك الحين، تراجع منسوب المجاملات، وتصاعدت حدة المواجهة السياسية والإعلامية، حتى كاد التواصل بين كبار المسؤولين ينقطع، فيما انطلقت منصات محسوبة على الطرفين في تبادل الاتهامات.
من شراكة استراتيجية إلى تنافس مكشوف
لطالما شكّلت أبوظبي والرياض ركيزة أساسية في منظومة مجلس التعاون الخليجي، وخاضتا معاً حرباً ضد الحوثيين في اليمن منذ 2015. كما ترتبطان بعلاقات اقتصادية وثيقة؛ إذ تبلغ قيمة التبادل التجاري بينهما نحو 31 مليار دولار سنوياً، وتُعد الإمارات من أكبر أسواق الصادرات السعودية، فيما تحتل السعودية موقعاً متقدماً بين شركاء الإمارات التجاريين. وتُصنف الرحلات بين دبي والرياض ضمن أكثر الخطوط ازدحاماً عالمياً.
لكن، كما تشير المجلة البريطانية، فإن التباينات لم تكن غائبة؛ فقد بدأت المصالح تتباعد في اليمن منذ 2018، وبرز خلاف علني حول حصص إنتاج النفط عطّل اجتماعات "أوبك+" في 2021. ورغم احتواء تلك الخلافات آنذاك، فإن التحولات الإقليمية اللاحقة عمّقتها.
جاءت الحرب الأهلية في السودان عام 2023 كنقطة انعطاف مفصلية. دعمت السعودية الجيش السوداني، بينما اتُهمت أبوظبي بدعم "قوات الدعم السريع". ورأت الرياض في هذا السلوك تدخلاً خطيراً على مقربة من حدودها عبر البحر الأحمر، في حين بررت الإمارات موقفها برفضها هيمنة تيارات إسلامية داخل الجيش. هذا التباين أعاد تعريف أولويات الأمن القومي لدى الطرفين، ووسّع فجوة الثقة.
في اليمن، تفاقم الخلاف مع تحركات "المجلس الانتقالي الجنوبي" المدعوم إماراتياً، والذي بسط نفوذه على مناطق من القوات المدعومة سعودياً، ما دفع الرياض إلى التدخل لإعادة التوازن. واعتبرت السعودية أن دعم الانفصاليين يهدد وحدة اليمن ويقوّض أهداف التحالف، بينما ترى الإمارات أن التحالف مع قوى محلية فاعلة أكثر واقعية من الرهان على حكومات مركزية هشة.
صراع نفوذ يتجاوز الحدود
يتداخل في هذا النزاع ما هو سياسي بما هو شخصي؛ فالسعودية، بوصفها أكبر دول الخليج سكاناً واقتصاداً وموطن أقدس البقاع الإسلامية، تنظر إلى نفسها بوصفها القوة القيادية في الإقليم. في المقابل، ترى الإمارات أن نموذجها الاقتصادي الأكثر تنوعاً وجيشها المحترف يمنحانها هامش استقلال أوسع في رسم سياستها الخارجية، بعيداً عن الاصطفاف التلقائي خلف الرياض.
وتشير ذا إيكونوميست إلى أن الخلاف تحوّل إلى "حرب روايات"، حيث يتهم معلقون سعوديون الإمارات بخدمة أجندات خارجية، بينما يرد إماراتيون باتهام الرياض بالتساهل مع الإسلام السياسي. وفي سابقة غير مألوفة خليجياً، يجري هذا التراشق على نحو شبه علني، في وقت كان يُعد فيه انتقاد دولة خليجية شقيقة خطاً أحمر.
على المستوى الاقتصادي، نقل دبلوماسيون غربيون شكاوى من شركات مقرها الإمارات بشأن عراقيل بيروقراطية جديدة في السعودية، من احتجاز شحنات إلى صعوبات في إصدار التأشيرات. كما انسحبت شركات إماراتية من فعاليات دفاعية في الرياض، وبدأت مؤسسات كبرى إعداد خطط طوارئ تحسباً لتصعيد أكبر. ورغم استبعاد تكرار سيناريو حصار قطر عام 2017، فإن القلق يتزايد في أوساط المستثمرين.
إقليمياً، يُخشى أن يمتد التنافس إلى ساحات أخرى، من القرن الأفريقي إلى سوريا. ففي وقت ترتبط فيه الإمارات بعلاقات وثيقة مع إثيوبيا، تميل السعودية إلى إريتريا، ما يضع البلدين على طرفي اصطفافات حساسة. كما يبرز تباين في مقاربة الملف السوري بعد التحولات السياسية الأخيرة هناك.
وتحاول أطراف عدة، بينها قطر والبحرين ومصر وتركيا، لعب دور الوساطة، فيما ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى استعداده للتدخل. غير أن دبلوماسيين يرون أن واشنطن تتجنب الانخراط العميق في نزاع بين حليفين رئيسيين.
تخلص المجلة إلى أن هذا الخلاف لم ينشأ فجأة، بل تراكم عبر سنوات من التباينات في الرؤية والطموح. ومع غياب مؤشرات حاسمة على تسوية قريبة، يبدو أن الخليج مقبل على مرحلة إعادة تموضع استراتيجي، قد تعيد رسم موازين القوة داخله وتنعكس على ملفات المنطقة بأسرها.